محمد حسين هيكل
309
حياة محمد ( ص )
أنه نبيّ ورسول ، وأيّد زعمه بالتنبؤ بموقع الماء في يوم كان قومه فيه يسيرون ويكاد الظمأ يقتلهم . لكنه بقي خائفا من الانتقاض على محمد طوال حياة محمد ، ولم يعلن الثورة إلا بعد أن قبض اللّه إليه رسوله . وهزم ابن الوليد طليحة في ثورته هذه ، فانضم من جديد إلى صفوف المسلمين وحسن إسلامه . ولم يكن مسيلمة ولا كان الأسود العنسيّ خيرا مكانا من طليحة طيلة حياة النبي . بعث مسيلمة إلى النبي عليه السلام يقول : إنه نبيّ مثله ، « وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض ، ولكن قريشا قوم لا يعدلون » . فلما تلا الخطاب نظر النبي لرسولي مسيلمة وأبدى لهما أنه كان يأمر بقتلهما لولا أنّ الرسل في أمن ، ثم أجاب مسيلمة بأنه سمع إلى كتابه وما فيه من كذب ، وأن الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده الصالحين ، والسلام على من اتبع الهدى . وأمّا الأسود العنسيّ ، صاحب اليمن بعد موت بدهان ، فقد جعل يدّعي السحر ويدعو الناس إليه خفية ، حتى إذا عظم أمره سار من الجنوب وطرد عمال محمد على اليمن ، وتقدّم إلى نجران وقتل فيها ابن بدهان ووارث عرشه ، وبنى بزوجه ، ونشر في تلك الأصقاع سلطانه . ولم يثر استفحال أمره عناية محمد ، ولا استدعى من اهتمامه أكثر من أن بعث إلى عمّاله باليمن كي يحيطوا بالأسود أو يقتلوه . ونجح المسلمون في تأليب اليمن من جديد على الأسود ، وقتله زوجه انتقاما منه لقتله زوجها الأوّل ابن بدهان . التفكير في غزو الروم كان تفكير محمد وكانت عنايته متجهين إذا إلى الشمال بعد عوده من حجة الوداع ، وكان من ناحية الجنوب آمنا مطمئنّا . والحق أنه منذ غزوة مؤتة ، ومنذ عاد المسلمون قانعين من الغنيمة بالإياب ، مكتفين بما أبدى خالد بن الوليد من مهارة في الانسحاب ، كان محمد يحسب لناحية الروم حسابها ، ويرى ضرورة توطيد سلطان المسلمين على حدود الشام حتى لا يعود إليها الذين جلوا عن شبه الجزيرة إلى فلسطين يناوئون أهلها . ولهذا جهّز الجيش العرم الذي جهّز حين بلغه تفكير الروم في مهاجمة حدود شبه الجزيرة ، وسار هو على رأسه حتى بلغ تبوك ، فألفى الروم قد انسحبوا إلى داخل بلادهم وحصونهم من هيبته . لكنه مع هذا ظلّ يقدّر لناحية الشمال أن تثور الذكريات بحماة المسيحية وأصحاب الغلب في ذلك العصر من أهل الإمبراطورية الروميّة ، فيعلنوا الحرب على من أجلوا النصرانية عن نجران وغير نجران من أنحاء بلاد العرب . لذلك لم يطل بالمسلمين المقام بالمدينة بعد عودهم من حجّة الوداع بمكة حتى أمر النبيّ بتجهيز جيش عرم إلى الشام ، جعل فيه المهاجرين الأولين ومنهم أبو بكر وعمر ، وأمّر على الجيش أسامة بن زيد بن حارثة . وصية النبي لأسامة وكان أسامة بن زيد يومئذ حدثا لا يكاد يعدو العشرين من سنّه ؛ فكان لإمارته على المتقدمين الأوّلين من المهاجرين ومن كبار الصحابة ما أثار دهشة النفوس لولا إيمانها الصادق برسول اللّه . والنبيّ إنما أراد بتعيين أسامة بن زيد أن يقيمه مقام أبيه الذي استشهد في موقعة مؤتة ، وأن يجعل له من فخار النصر ما يجري به ذلك الاستشهاد ، وما يبعث إلى جانب ذلك في نفس الشباب الهمة والحميّة ، ويعوّدهم الاضطلاع بأعباء أجسم التبعات . وأمر محمد أسامة أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين على مقربة من مؤتة حيث قتل أبوه ، وأن ينزل على أعداء اللّه وأعدائه في عماية الصبح ، وأن يمعن فيهم قتلا ، وأن يحرقهم بالنار ، وأن يتمّ ذلك دراكا حتى لا تسبق إلى أعدائه أنباؤه . فإذا أتمّ اللّه النّصر لم يطل بقاءه بينهم ، وعاد غانما مظفرا . وخرج أسامة والجيش معه إلى الجرف ( على مقربة من المدينة ) يتجهّزون للسفر إلى فلسطين . وإنهم